السيد محمد تقي المدرسي

82

من هدى القرآن

وكذلك يجب احترام النفس ، ولكن احترام النفس محدود بعدم وقوع ضررها على الآخرين ، أما إذا كانت النفس ضارة ، فإنَّ الله سبحانه وتعالى يأذن لولي الأمر من قبله بإعدامها ، وإنقاذ المجتمع من شرها ، كما قدر لخضر بأن يقتل الغلام لكي لا يصبح ضاراً بالآخرين ، وكذلك مسألة الجدار ، وهذا هو ظاهر ما نستفيده من الآيات الكريمة ، وهناك عمق آخر سوف نتدبر فيه ونذكره . بينات من الآيات : لماذا خرق السفينة ؟ [ 79 ] أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا إن السفينة كانت لمساكين ، ومن عادة الملوك ورؤساء الدول قديماً وحديثاً أن يأمروا بمصادرة وسائل النقل كلما واجهت دولهم حرباً ، لأن الحرب بحاجة إلى وسائل النقل كالسفن والجمال قديماً ، فهي إما تصادرها مصادرة تامة ، وأما أن تسخرها للأعمال الحربية فترة الحرب ، وهذه السفينة أيضا كانت من ضمن السفن المعرّضة للمصادرة لولا أن خرقها لتصبح معيبة ، وبذلك لا تشملها أحكام المصادرة التي كانت مقصورة على مصادرة السفن الصالحة فقط . وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً الآية لم تقل إنّ ذلك الملك كان يأخذ السفن الصالحة فقط ، لكنّ الكلمة السابقة تدل على هذه المعنى ، وهذا من بلاغة القرآن . لماذا قتل الغلام ؟ [ 80 ] وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً إنّ السبب في قتل الغلام من دون سابق إنذار هو : أنّ هذا الغلام كان سيسبب لأبويه المؤمنين الصالحين الطغيان والكفر ، لأنهما ، من فرط حبهما لهذا الغلام كانا سيتبعان أهواءه ، في حين أنّه كان قد تربى على الدلال والفساد الخلقي ، لذلك كان الخضر يخشى على أبويه المؤمنين أن يطغيا بسببه ، ولذلك قتله ، لأنَّه وجود ضار . [ 81 ] فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً لقد كان الخضر يسعى من أجل أن يبدّل الله هذا الغلام بمولود أفضل زكاة ، أي نموه يكون نمواً زاكياً بدل ذلك النمو الطاغي ، فهناك نمو زاك ونمو طاغ ، النمو الزاكي هو : نمو ظاهر خال من السلبيات ، أما النمو الفاسد فهو : نمو خبيث مليء بالسلبيات .